محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
220
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
والباطن ، فلما أتيته بالجزء الثالث ونزلت من عنده لقيني بعض أصحابه وقال : طلعت عند الشيخ فوجدت عنده مجلدة حمراء ، فقال : هذا الكتاب استنسخه لي ابن عطاء اللّه ، واللّه ما أرضى له بجلسة جده ، ولكن بزيادة التصوف . قال : وأخبرني بعض أصحابه قال : قال لي الشيخ يوما إذا جاء ابن فقيه الإسكندرية فأعلموني به ، فلما أتيت الشيخ أعلمنا الشيخ بذلك فقال : تقدّم . فتقدّمت بين يديه ، فقال : جاء جبريل عليه السلام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه ملك الجبال حين كذّبته قريش فقال له : هذا ملك الجبال قد أمره اللّه أن يطيع أمرك في قريش ، فسلّم عليه ملك الجبال ثم قال : يا محمد ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين « 1 » فعلت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا ، ولكن أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يوحّد اللّه تعالى ، ولا يشرك به شيئا » « 2 » . فصبر عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجاء أن يخرج اللّه من أصلابهم . كذلك صبرنا على جدّ هذا الفقيه لأجل هذا الفقيه . قال : وخرجت يوما من عند الفقيه « المكين الأسمر » وخرج معي « أبو الحسن الحريري » ، وكان من أصحاب الشيخ أبي الحسن فسلّمت عليه ، وسلّم عليّ ببشاشة وإقبال ، فقلت له : من أين تعرفني ؟ فقال : وكيف لا أعرفك كنت يوما جالسا عند الشيخ أبي العباس ، وكنت أنت عنده ، فلما نزلت قلت له : يا سيدي ، إنه ليعجبني هذا الشاب ، انقطع فلان وفلان عن الملازمة ، وهذا الشاب ملازم ، قال : فقال الشيخ : يا أبا الحسن لن يموت هذا الشاب حتى يكون داعيا يدعو إلى اللّه ، فكان ما قال الشيخ رحمه اللّه تعالى . قال : وكنت كثيرا ما يطرأ عليّ الوسواس في الطهارة ، فبلغ ذلك الشيخ فقال : بلغني أن بك وسواسا في الوضوء ! ! قلت : نعم . فقال رضي اللّه تعالى عنه : « هذه الطائفة تلعب بالشيطان لا الشيطان يلعب بهم » . ثم مكثت أياما ودخلت عليه ، فقال ما حال ذلك الوسواس قلت : على حاله ! ! فقال : إن كنت لا تترك الوسوسة لا تعد تأتينا ، فشقّ ذلك عليّ ، وقطع اللّه ذلك الوسواس عني . [ قال ] : وكان رضي اللّه عنه يلقّن للوسواس : سبحان اللّه الملك القدّوس الخلّاق الفعال إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [ إبراهيم : 19 ] . [ قال ] : وعلمت قصيدة أمدحه بها ، فقال حين أنشدتها : أيّدك اللّه بروح القدس .
--> ( 1 ) الأخشبان : جبلان يضافان تارة إلى مكة ، وتارة إلى منى وهما واحد أحدهما أبو قبيس والأخر قعيقعان . ( معجم البلدان 1 / 122 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( بدء الخلق ، 7 ) ، ومسلم ( جهاد ، 111 ) .